عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

13

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

إذ خلقت مستعدّة للأمرين جميعا والبارىء تعالى ييسّر كلّا لما يريده منه من خير أو شرّ . ولا تتوهم أن النفس تستفيد بعد فراق الجسد كمالا ولا تقدر على تحصيله ، وليس أيضا بين إدراكها للحقائق في الدنيا وإدراكها لذلك في الآخرة فرق ، بل هذا هو عين هذا إلا زيادة كشف ووضوح كما بين تصوّر ذات الشيء في الخيال وبين رؤيته بالبصر ، وكما أنّا إذا قدّرنا إنسانا ولد أعمى إلا أنّه تامّ الفطرة جيّد الحدس وقد وصفت له مدينته التي نشأ فيها وصفا كاملا شافيا ، وتواتر وصفها له عنده حتى كأنّه يشاهدها وحتى صار يصفها لغيره من العميان ويتصرف في سائر نواحيها وطرقها بلا قائد ، فإن هذا إذا رزق البصر دفعة واحدة وشاهد تلك المدينة رآها على وفق ما كان منطبعا في خياله منها قبل مشاهدتها إلا أن الرؤية أكثر وضوحا وأكثر جلاء ، وكذلك رؤية الشيء في غيم رقيق لا يمنع الرؤية على وجه مّا ثم رؤيته بعد انقشاع ذلك الغيم ، ولذلك نجد كثيرا من الناس يعشق الصورة الحسيّة الإنسانية بالسماع حتى يهيم بها ثم يهواها بعد ذلك فتكون عنده على وفق الصورة المنطبعة في نفسه منها بالسماع . فهذا هو الفرق بين إدراك العارف في الدنيا وإدراكه في الآخرة ، إذ لا عائق عن كمال الإدراك واللذّة به في الدنيا إلا حجب الأجسام وتدبير ضروراتها ، فإذا ذهبت علائقها من النفس وانصرفت عن تدبيرها بالموت كانت لذّة المعرفة أكمل وأتمّ ، وقد تتفق لمن تجرّد في هذه الدار عن حبّ المحسوسات وعلائقها هذه المعرفة الكاملة ، ولهذا قال بعض العارفين : « لو كشف الغطاء ما ازددت إلّا يقينا » . وإذا كانت المعرفة التي تحصل للعارف في الدنيا هي بعينها التي توصله في الآخرة إلى رؤية الحق فمن لم يعرف الحق تعالى في الدنيا ويلتذّ بمعرفته ومحبّته لا يراه في الآخرة ولا يلتذّ بمشاهدته إذ يموت المرء على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 72 ) [ الإسراء : الآية 72 ] . [ جوهر النفوس القدسية الإلهية كلها واحد ] إشارة : واعلم أن جوهر النفوس القدسية الإلهية كلها واحد ، وإنما أوجب لها الكثرة اختلاف استعداد القوة الحيوانيّة التي في الجسم وتتفاوت لتفاوت مزاج الجسم في الاعتدال ، إذ يوجد مزاج أتمّ اعتدالا من آخر ، فأعطى الحق تعالى كل جسم نفسا تليق باستعداده الذي خلقه فيه من الكمال والنقص والقوة والضعف على ما جرت به سنّة اللّه تعالى ، كما أن جنس النور واحد ويختلف أثره في الأجسام